محمود توفيق محمد سعد

176

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وفي الأخرى قصر حفظه تعالى على القرآن الكريم أي ما تكفلنا بحفظ كتاب مما أنزلنا من الكتب السماوية إلا بحفظ الذكر الحكيم ، أي أنّ قصر حفظه على كونه واقعا على القرآن الكريم دون غيره ، فهو على منهاج " ما استمعت إلا لمحمد " فهو من قصر الموصوف على الصفة ، فاجتمع للقرآن الكريم أمران : الأول أنه لم ينزله غير اللّه سبحانه وتعالى . والآخر : أنه المخصوص بحفظ اللّه سبحانه وتعالى له من دون غيره من الكتب السماوية السابقة عليه التي منيت بالتحريف على أيدي أتباع من أنزلت عليهم . وفي هذا إشارة إلى المفارقة العظيمة بين حال أصحاب وأتباع النبي سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا مع القرآن الكريم الذي نزل علي نبيهم صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم وحال التابعين للأنبياء والمرسلين وموقفهم من الكتب التي أنزلت عليهم إليهم : صحابة النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا كانوا آلات تأكيد حفظ ذلك الكتاب وعصمته من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان . وأمة الأنبياء السابقين كانت سببا في التحريف والتبديل والتغيير بالزيادة والنقصان . فانظر فضل اللّه سبحانه وتعالى على أتباع حبيبه محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا وهذا يؤكد تقرير أن حفظ القرآن الكريم من أدنى تغيير بتقديم أو تأخير لآية أو سورة إنّما هو من اللّه سبحانه وتعالى وأنّ ما كان من فضل أجراه اللّه سبحانه وتعالى على أيدي صحابة عبده ونبيه ورسوله سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إنما هو متمثل في أن جعلهم آلات إظهار الحفظ في وعاء آخر مضموما إلى الوعاء السابق : الحفظ بين دفتي المصحف ضميمة إلى الحفظ في الصدور . مجمل الأمر في هذا : أنّ ترتيب السور بين دفتي المصحف على النحو الذي هو بين أيدينا والذي سيبقى كذلك إلى قيام الساعة هو هو الذي كان قائما في صدر النبي سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا وحيا من اللّه تعالى ، وفي صدور أصحابه رضوان اللّه عليهم تلقيا من النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم وليس اجتهادا ، وأن في هذا الترتيب من آيات الإعجاز البياني ما في تركيب آياته في السورة الواحدة ، بل وما في تركيب كلمات الآية الواحدة من الإعجاز البياني العظيم المجيد .